الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

طيف الخيال للمرتضى 73

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

فوق أكوارهنّ انضاء شوق * طرقوا بالغرام دون الرّكب كلّما أنّت المطيّ من الإعياء أنّوا من الجوى والكرب * زارني واصلا على غير وعد وانثنى هاجرا على غير ذنب * كان قلبي إليه رائد عيني فعلى العين منّة للقلب * بتّ وجدى ومن رأى اليوم قبلي ناقعا للغليل من غير شرب * سامحا لي على البعاد بنيل كان يلويه في زمان القرب * كان عندي أن الغرور لطرفي فإذا ذلك الغرور لقلبي والفنان وشغب : موضعان معروفان ، ومعنى كان قلبي إليه رائد يعني أن التخيل والتصور إنما هو للقلب ، فكأن القلب خيّل للعين أنها ترى حبيبها ، فالمنة له عليها . والبيت الأخير : معناه أني كنت أضيف الغرور إلى طرفي ، وفي النوم صار الغرور لقلبي ؛ لأنه خيّل لي ما لا حقيقة له . ولهذا المعنى نبأ لا بد من أن أذكره ، وهو أنني لما كنت قلت في جملة قصيدة : وعهدي بتمويه عين المحبّ * تنمّ على قلبه الطّائر فلما التقينا برغم الرّقا * دموّه قلبي على ناظري وذلك على ما أظن في سنة نيف وثمانين وثلاث مئة ، تداول أهل الأدب إنشاد هذه الأبيات ، واستغربوا هذا المعنى ، وشهدوا بأنه مستجدّ ، غير مسبوق إليه ، ولا متعرّض له . وسمع أخي ، رضي اللّه عنه ، هذه الأبيات ؛ لأنه قلّما كان يخرج لي شيء من الشعر ، إلّا ويسمعه وينشده ، ولا يخرج له - رحمه اللّه - طول حياته إلّا ما ينشدنيه ، فشهد لهذا المعنى بأنه مبتكر مخترع ، وأنه مستحسن مستعذب . ولم أسمع له - رحمه اللّه - طول حياته في هذا المعنى شيئا . ولما تصفحت شعره رضي اللّه عنه لإخراج ما يتعلق بالطيف في هذا الوقت ، وهو سنة نيف وعشرين وأربع مائة ، وجدت هذه الأبيات البائية ملحقة بخطه - رحمه اللّه - في الجزء الثاني من شعره ، في حاشية ، فنقلتها عنه كما وجب ؛ لأنها بخطّه الذي لا أشك فيه . ولست أعلم كيف جرت الحال في هذا المعنى ، وهل قصد ، رحمه اللّه ، إلى نظمه على علم ، حتى لا يخلو من شعره هذا المعنى المستغرب المستعذب ، أو أنسى - رحمه اللّه - سماعه له ، وقذف به خاطره ، وجرى على هاجسه ، فأثبته تقديرا على أنه مبدع له ، لا متبع فيه . فكثيرا ما يلحق الشعراء ذلك ، فيواردون في بعض المعاني المسبوق إليها ، وقد كانوا